نتائج الانتخابات التونسيّة.. وعود بالجملة وأحلام بالتفصيل
تجاوزا لوقع النتائج الأولى التي هي، على مستوى المنحى العام، في حكم المؤكد، يتساءل المراقبون في تونس، وكذلك عامّة الناس عن تألق نجم "نداء تونس"، في سؤال عن أسباب هذا البروز؟
يتفق المراقبون جميعا على أنّ حركة "نداء تونس" استطاعت في وقت قياسي، بسط شبكة فاعلة على مستوى البلاد وتفعيلها، بل وجعلها ذات مردود وفاعليّة، لكن المراقبين يتساءلون كذلك، عن سرّ الغياب التامّ لقائمات "الحركة الدستوريّة"، وكذلك أين ذهبت أصوات هذه الحركة التي تملك ـ دون أدنى شكّ ـ عمقا شعبيّا لا يمكن الاستهانة به أو نفيه، حسابيّا، من المشهد السياسي.
الجواب، أو جزء منه، جاء من نتائج الانتخابات ذاتها، حين لم تفز هذه الحركة بأيّ صوت ضمن المكتب الذي صوّت فيه زعيم الحركة حامد القروي، ما يعني أن رئيس الحركة لم يعطِ صوته لقائمة حزبه!
فتح هذا التشخيص الباب على مصراعيه أمام تأويلات عدّة وقراءات عديدة، أوّلها وأساسها، اتفاق تمّ داخل العائلة الدستوريّة والتجمعيّة، بأن يصطفّ الجميع داخل وخلف "نداء تونس"، الأمر تمّ في انضباط شديد وانتظام تامّ، ما مكّن "النداء" من الصعود إلى المرتبة الأولى والتفوّق على "حركة النهضة"، التي حافظت حسابيّا تقريبا على عمقها الانتخابي ولم تخسر منه الكثير.
السؤال قائم في تونس راهنا عن الثمن الذي ستقبضه العائلة الدستوريّة مقابل هذا التنازل الذي مكّن من حسم الصراع؟ صحيفة "الصريح" اليوميّة الصادرة أمس بالعاصمة التونسيّة نقلت أنّ مرشّح الحركة الدستوريّة للانتخابات الرئاسيّة المنذر الزنايدي سيتنازل لصالح الباجي قائد السبسي نظير حصوله على منصب رئيس الوزراء في الحكومة القادمة، ما يؤكّد ما يدور من أخبار عن صفقة بين "نداء تونس" وباقي العائلة الدستوريّة عن تقاسم للمشهد القادم.
هذا التقاسم داخل العائلة الدستوريّة والتجمعيّة، يقابله أو بالأحرى يعارضه تقاسم آخر تمليه، بل تفرضه نتائج الانتخابات التشريعيّة ذاتها، التي تلزم مرشح نداء تونس لرئاسة الحكومة بالدخول في ائتلاف مع جهة أو جهات أخرى، سواء للحصول على الأغلبيّة النسبية أو هي حكومة ذات قاعدة أوسع ضمن مجلس نوّاب الشعب القادم.
تتقاطع الاتفاقات داخل العائلة الدستوريّة والتجمعيّة، مع ما تمليه نتائج الانتخابات التشريعيّة، مع ما تفرضه الاستعدادات للانتخابات الرئاسيّة، حين يريد الباجي قائد السبسي أن يضمن لنفسه، ليس شروط الوصول إلى قصر قرطاج والتربع على سدّة الرئاسة لخمس سنوات، بل يريد من التوافق حوله والوقوف وراءه، ما يجعله أقرب إلى رئيس توافقي يمرّ إلى هذا القصر من الدورة الأولى.
ترابط هذا المثلث، وما يمليه من توازنات قائمة وأخرى قادمة، يجعل من "حركة النهضة"، أحد أهمّ اللاعبين ضمن هذا المشهد، لتكون المحدّد ليس فقط للنتائج القادمة، بل لشكل هذه النتائج، أوّلها وصول الباجي إلى قصر قرطاج من الجولة الأولى، وما يعنيه هذا الانتصار بالضربة القاضية من رمزيّة سواء على مستوى الصراع الصريح والمعلن بين كلّ من الباجي قائد السبسي والرئيس الحالي المنصف المرزوڤي، أو ما من شأنه أن يعطي للباجي من وزن اعتباري أكبر، حين يمسك رئيس نداء تونس بقصر قرطاج (مقرّ رئاسة الجمهوريّة) ويمسك حزبه بقصر باردو (مقر المجلس التشريعي) ويمسك رئيس وزرائه بقصر القصبة (مقرّ الحكومة).
بقدر ما يملك "نداء تونس" من أوراق تجعله، عدديا، الحزب الأوّل والأقوى في تونس، بقدر ما هو في حاجة إلى عقد تحالفات تضمن له القصور الثلاثة وتجعله صاحب الراية العليا في البلاد، ومن ثمّة يريد هذا الحزب ويعمل رئيسه في الآن ذاته على تشغيل آلية التنافس بين بقيّة الأحزاب، وعلى رأسها "حركة النهضة" التي يهمّها، بأيّ شكل كان، أن تكون وتبقى عنصرًا فاعلا على الساحة السياسيّة في تونس.
من الأكيد أن يأخذ ماراطون المشاورات ما يلزمه من وقت، أوّلها التصريح بالنتائج الرسميّة وتمكين الأطراف جميعها من حقّ الطعن في النتائج ومراجعة المحكمة الإدارية عند الاقتضاء، ما يعني، زمنيّا، أنّ التصريح النهائي والرسمي والبات بنتائج الانتخابات التشريعيّة لن يكون قبل 25 نوفمبر، أي يوم واحد قبل الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، ما يعني أنّ على الحكومة القادمة أن تنتظر، بل تترقب نهاية الانتخابات الرئاسيّة والبت الرسمي في نتائجها، وبعد ذلك تنصيب الرئيس القادم، ليتولّى حينها تكليف مرشّح "نداء تونس" بتشكيل الوزارة.
(المصدر: الشروق الجزائرية 2014-10-29)
مواضيع ساخنة اخرى
- لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
- تابِع @jbcnews