مصاصو دماء
سألتُ كاتبا عربيا جميلا صدر له كتاب بحثي قيّم قبل عدة عقود عن سبب توقفه عن النشر. فأجابني والحزن يكسو وجهه بأن وظيفته الأساسية، مصدر رزقه، لم تدع له مجالا للكتابة. امتصت وقته وطاقته وحتى أحلامه.
يواجه المبدع العربي مشكلة أزلية تتجسد في عدم توافر قنوات ترعاه وتمنحه ما يستحق من اهتمام يدفعه للتألق.
هذا الواقع المحزن ألقى بظلاله السلبية على المشهد العربي. انعكس على الكمية والنوعية للمنتجات العربية.
أقلع الكثير من المبدعين العرب عن الإبداع لأنهم انصرفوا عما يحبونه، واختاروا أقرب طريق يسد رمق أطفالهم.
سئل الروائي السعودي، أحمد أبو دهمان، مؤلف رواية ''الحزام''، التي صدرت بالفرنسية عن دار النشر الفرنسية ''جاليمار''، في مجلس''ألمع الثقافي''، لو أنه نشر روايته في دولة عربية، هل سيحظى بتلك المكانة ويحصل على مميزات معنوية ومادية؟ فرد: ''لا أعتقد. فالقرصنة، وأكل حقوق المؤلف في العالم العربي من أبرز المشكلات''. وأشار إلى أنه أبرم مع ''جاليمار'' عقدا واضحا يحفظ حقوقه مدى الحياة. يقول وفق صحيفة ''الوطن'': ''لقد أعطتني الدار الفرنسية ضمانا صحيا شاملا مدى الحياة، وراتبا تقاعديا، وأتسلم 14 في المائة عن كل نسخة تباع، ويأتي لي من بريطانيا مبلغ سنويا عن إعارة الرواية فقط''.
تخيلوا لو أن هذه المميزات، التي يحصل عليها أبو دهمان يحصل عليها المؤلف العربي في وطنه، كيف سيكون حال إنتاجنا. سيزداد والأهم سيتحسن. فلن يشغل بال المؤلف كيفية تأمين شراء دواء أو تكلفة إجراء عملية. فالضمان الصحي يعطيه غطاء صحيا وراتبا تقاعديا يساعده على الكتابة والبحث والإبداع دون أن يقطعه هاجس توفير مبلغ يكفل له حياة كريمة له ولعائلته. فمنتجه سيكفلها له.
يصف الروائي السعودي، عبده خال، حال الناشرين العرب، الذين تدفع لهم أحيانا لينشروا لك، في كتاب ''الصندوق الأسود'': ''الناشرون جزء من كركبة هذه الأمة. هم يحملون بذرة ثقافة إهمال الفعل الجاد. يتحول لديهم المؤلف إلى كائن مستضعف منحور، ويريدون أن يضعوا دمه في إناء، وهم يتفضلون بإعطائي كهذا الإناء، وفي نظرهم أنهم بهذا الفعل يقدمون لك خدمة نبيلة، وليس من النبل أن تطالبهم بثمن دمك وهم الذين حملوه في وعاء''.
الكثير من المؤلفين الغربيين يقضون سنوات طويلة للعمل على كتاب واحد. يصب فيه المؤلف جل تركيزه. فلا تتردد بعض دور النشر في إعطائه تذاكر وإقامة في عدة مدن إذا كان موضوعه يتطلب ترحالا ورصدا خارج مكان إقامته. في المقابل، يحاول المؤلف العربي أن يوازن بين حياته العملية والخاصة والتأليفية، ما يجعله في الكثير من الأحوال لا يوفق فيها جميعا.
جاء في الآية 4 من سورة الأحزاب: ''مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ''.
القضية لا تقتصر على المؤلف فحسب، فحتى الباحث والمخترع في الدول الغربية يحصل على دعم مؤسسات بحثية وتجارية تسهم في استقراره وتهبه كل الأدوات التي تكفل تألقه.
عندما توفر المنظمة الدعم الكافي للمبدع فإنها تفرض قيودا وشروطا تنعكس على المحصلة النهائية. فالمنتج يخضع لاختبارات دقيقة ومراجعات عديدة حتى يخرج بجودة عالية. إن أي منتج خام يحتاج لعملية تكرير صارمة؛ ليخرج صافيا.
لن نحقق النجاح المنشود إذا لم نُعِد النظر في آلياتنا وبرامجنا التي نقدمها للمبدعين. كلما كان الدعم سخيا للمبدع كانت النتيجة مبهرة.
( الاقتصادية 11/11/2013 )
مواضيع ساخنة اخرى
- لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
- تابِع @jbcnews