أسهم القناة.. ماذا بعد الاكتشاف العاطفى المتكرر؟!
معجزة جديدة، ملحمة، مظاهرة حب لمصر، تفويض جديد للرئيس، دليل على أصالة هذا الشعب. تعبيرات استهلكناها لوصف الإقبال على شراء أسهم قناة السويس، منذ بداية طرح الأسهم فى الرابع من هذا الشهر حتى المؤتمر الصحفى الذى عقده بداية هذا الأسبوع هشام رامز، محافظ البنك المركزى.
من هذه الأوصاف يبدو أن هناك تصميمًا على تحويل حياتنا السياسية والاقتصادية إلى مجموعة من الأساطير والمعجزات، وتحويل المصريين من بشر طبيعيين يدركون مصالحهم ويسعون وراءها إلى ملائكة ترفرف بأجنحتها، لا تشعر بجوع أو غيره، ولا تبغى إلا خلود ذكرها!
القلة التى تركت هذا المنحى العجائبى قالت إن الإقبال دليل على ثقة المصريين فى الجدوى الاقتصادية للمشروع، وهذا القول يعود ليصب مرة أخرى فى ذات الاتجاه العاطفى، غير العقلانى. فمن البديهى أن دراسة جدوى المشروع تفوق قدرات أى مواطن توجه لشراء عدة أسهم، مهما كانت ثقافته، وبالتالى فالثقة فى الجدوى الاقتصادية هى بالأساس ثقة فى إخلاص وحكمة السلطة.
من الجميل جدًا أن يلتف الشعب خلف قيادته؛ فهذا يسهل المناخ الملائم للنجاح لكنه لا يخلقه. وينبغى أن يكون هناك من يهتم بقراءة الدلالات العملية للأرقام، وأن يترجم هذه الدلالات إلى خطة عمل، تأخذنا لنقطة أكثر تقدمًا عن نقطة الاكتشاف العاطفى المتكرر.
طبقًا للأرقام التى أعلنها محافظ البنك المركزى، فقد اشترى المصريون الأسهم المطروحة بقيمة 64 مليار جنيه فى 8 أيام فقط وليس فى كامل المدة التى كانت مخصصة لجمع المبلغ، وبلغت مساهمات الأفراد 82 بالمائة والهيئات 18 بالمائة، كما أن سبعة وعشرين مليارًا جاءت من خارج الجهاز المصرفى.
اكتشفنا فى هذه التجربة خروج سبعة وعشرين مليارًا من تحت البلاطة، وهناك أكثر.
وقد سئمت الكتابة فى هذه المساحة منذ عهد مبارك والنجلين عن الاقتصاد غير المنظور وعن الأموال الصغيرة المحرومة من العمل الشريف، لأن العقيدة الاقتصادية للنظام لا تؤمن بالفكة ولا تحبها، بل تؤمن بعدد محدود من كبار المستثمرين.
وكان حصار الأموال الصغيرة كارثة حضارية فى مصر، حيث يتوجه القدر الأكبر من الأموال الحبيسة إلى المبالغات فى الإنفاق الاجتماعى على الأفراح وما شابهها، والأسوأ من هذا هو تكثيف البناء على الأرض الزراعية.
وإذا كان باقى المبلغ قد جاء من ودائع البنوك، فهذا يجب أن يجعل الفرق بين سعر الفائدة على الودائع وسعر الفائدة على القروض محل مساءلة وتعديل؛ لأن منح المواطن ستة بالمائة عندما يدخر وتحصيل سبعة عشر بالمائة منه عندما يستدين لا يشبه إلا عقود الإذعان الباطلة قانونًا.
وقد عرف المواطن الملاك مصالحه واختار الفائدة الأعلى، ومن المؤكد أن هناك المزيد من المليارات الحبيسة تريد أن تنطلق.
وننتظر أن تتخلى الحكومة كذلك عن أجنحة الملائكة وتدرس مصالحها المباشرة، ومصالح الدولة بعد هذه التجربة.
هل تستمر فى طرح تمويل مشروعات كبرى بهذه الطريقة دون أن تتعرض لمخاطر التعثر أو الإفلاس، أم الأسلم أن تعدل التشريعات الاقتصادية لتفتح الباب أمام مساهمة الأموال الصغيرة فى خطة نهوض حقيقية؟
بالبديهة فإن تحمل المواطنين مسؤولية مشروعات إنتاجية يقيمونها بأنفسهم أجدى اقتصاديًا، لكن الأمر يجب أن تحسمه الدراسات المعمقة.
ولن تقوم لنا قائمة إلا إذا أعلنا عودتنا المظفرة إلى كوكب الأرض بشرًا طبيعيين واقعيين، حكومة وإعلامًا وشعبًا.
(المصدر: المصري اليوم 2014-09-23)
مواضيع ساخنة اخرى
- لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
- تابِع @jbcnews